من التوطين إلى التصدير، من بناء القدرات إلى تطوير المنتجات
"من التوطين إلى التصدير" ليست انتقالا من فكرة إلى نقيضها، بل تطور طبيعي في مسيرة الصناعة الوطنية. فالتوطين كان ولا يزال حجر الأساس الذي مكن المصانع الوطنية من التعلم والنمو وبناء القدرات. أما المرحلة التالية، فهي أن يتحول هذا التوطين من التركيز على الإنتاج إلى التركيز على تطوير المنتجات وخلق المعرفة.
حين نصنع بقدراتنا نكتفي ذاتيا، وحين نطور بعقولنا ننافس عالميا.
ولأن تطوير المنتجات لا يتحقق بالشعارات بل بالممارسة، كانت تجربة نمذجة تمثل مثالا عمليا على هذا التحول. في نمذجة، لم تكن هذه الفكرة شعارا نرفعه، بل واقعا نعيشه. ومع ذلك، واجهت كثيرا من النقاشات التي تشكك في إمكانية ابتكار منتج متطور بعقول سعودية، وما زلت أذكر بعضها جيدا.
منذ تأسيسها، قامت نمذجة على قناعة راسخة بأن الابتكار ليس ترفا ولا مرحلة لاحقة، بل ركن أساسي في نموذج عملنا. فنحن لا نرى الطباعة ثلاثية الأبعاد مجرد وسيلة للتصنيع، بل منصة لخلق جيل جديد من المنتجات التي نمتلك تصميمها وتقنيتها وتدر علينا إيراد مستمر ومتنامي. وقد أثبتنا ذلك عمليا مرات كثيرة؛ في مرشحات الماء التي طورناها مع أرامكو السعودية في عام 2018 وسجلت لاحقا كبراءة اختراع، وفي قطع غيار خطوط التعبئة التي تفوقت على المورد الأصلي مع شركة بيبسيكو، وفي تقنية فصل الزيت عن الماء التي طورناها مع معادن، وغيرها من الأمثلة التي لا تحصى.
هذه التجارب لم تكن قصص نجاح فحسب، بل إجابات عملية على السؤال الذي ظل يتكرر: هل يمكن فعلاً أن تبتكر المعرفة هنا؟ والجواب: نعم، ويمكن أن تصدر أيضا.
لكن التحول نحو الابتكار لا يبدأ من خطوط الإنتاج، بل من طريقة التفكير. البحث والتطوير ليس مختبرا متقدما أو تمويلا ضخما، بل عقلية تجريبية تتقبل الخطأ، وتتعلم منه، وتعود لتجرب من جديد. الخوف من الفشل والرغبة في النتائج السريعة هما أكثر ما يعيق الابتكار. وكثيرا ما يخفي هذا الخوف نفسه وراء سؤال يبدو بريئا، لكنه يعكس حاجة أعمق إلى الثقة:
هل عندك شريك أجنبي؟
سؤال تكرر كثيرا، وأحترم دوافعه، لكنه يعكس مرحلة فكرية علينا أن نتجاوزها. فالشراكات العالمية قيمة كبيرة حين تبنى على تبادل المعرفة، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى وصاية فكرية. نحتاج أن نؤمن أننا قادرون على التعلم من الشركاء لا الاعتماد عليهم، وأن التجربة ليست حكرا على من سبقونا.
فالتجريب جزء أصيل من ثقافتنا قبل أن يكون مفهوما عصريا. حين وضع ابن الهيثم أسس منهج العلم التجريبي وعلم البصريات وشرح مبدأ عمل الكاميرا، لم يكن يقلد أحدا، بل راقب وجرب وسجل حتى وضع قواعد ومنهجيات أسست لعلوم جديدة. وهذا المنهج الذي جمع بين الملاحظة والتجريب هو ذاته جوهر تطوير المنتجات الحديثة اليوم.
وبعد قرون، قرر ليزلي إيرفن أن يقفز من الطائرة ليختبر أول مظلة صنعها بنفسه. لم ينتظر معايير عالمية أو تراخيص، بل بادر وجرب، ثم خلق معرفة أنتجت منتجا وأسست لصناعة كاملة.
وغالبا ما يساء فهم العلاقة بين المعايير والابتكار. يظن أحيانًا أن المعيار دستور شامل لا يجوز تجاوزه، بينما وضعت المعايير أصلا لتسهيل التواصل الصناعي، وليس لتقييد الابتكار.
المعايير تصف ما هو قائم، لكنها لا تحدد ما يمكن أن يكون.
ومن هنا، فإن التوطين في جوهره ليس نقيض الابتكار، بل طريقه الطبيعي. فالبداية تكون بتوطين التصنيع، حيث تبنى المعرفة بالسوق واحتياجات العملاء وتفاصيل العمليات التصنيعية، ثم من خلال المحاكاة يبدأ الابتكار تدريجيا حتى يولد منتجات جديدة رائدة.
فالابتكار لم يكن يوما اختراعا من العدم، بل هو محاكاة وتعلم من التجارب وتحسين مستمر كما فعلت البشرية على مر التاريخ، وحتى اليوم، تتنافس كبريات الشركات عبر محاكاة منتجات منافسيها وتطويرها لتفوز بالريادة.
المحاكاة والاستلهام ليست ضعفا، بل مرحلة في طريق الإتقان.
إن التوطين ليس غاية بحد ذاته، بل قاعدة ننطلق منها. هو البيئة التي تنمو فيها الخبرة والمعرفة، لتتحول من إنتاج إلى تطوير، ومن تصنيع إلى ابتكار. الدعم الذي يبنى عليه اليوم هو مرحلة طبيعية، لكن المستقبل هو تحويل هذا الدعم إلى معرفة ومنتجات قابلة للتصدير.
لدينا في المملكة اقتصاد بحجم قارة، وقطاعات تمتلك كل المقومات لتوليد علامات سعودية عالمية في الطاقة، والتعدين، والتحلية، والبتروكيماويات، وغيرها. ما نحتاجه اليوم ليس انتظار الفرصة، بل الجرأة على التجربة. فالمعرفة لا تنقل، بل تخلق. وعندما نصدر منتجات تحمل بصمة فكرنا قبل شعارنا، نكون قد تجاوزنا مرحلة التوطين إلى مرحلة الريادة.
كتبه فيصل بن عدنان العامر
نوفمبر ٢٠٢٥